خطوطٌ مشتركة
على مقعد خشبي عتيق في حديقة هادئة، تتسلل أشعة الشمس الذهبية عبر وريقات الشجر لتطبع على فستانها الأبيض بقعاً من النور، كانت تقرأ روايةً. اقترب منها وهو يرتدي قميصاً كتانياً فاتحاً، وفي عينيه لمعة حياء ممزوجة بجرأة خفيفة. "عفواً يا آنسة، أعتذر على المقاطعة، هناك شيءٌ أثار انتباهي ولم أستطع مقاومته،" قال بصوت خفيض ودافئ. رفعت عينيها الفاتنتين، وفي نظرتها مزيج من التساؤل والترقب. "ماذا؟" ابتسم بخفة وأشار إلى يدها التي كانت تمسك الكتاب. "يداكِ... " نظرت بدهشة وحب استطلاع ممزوج بابتسامة خفية. أكمل "أرى وكأنّ فيهما طاقة خاصة. اسمحي لي، لثوانٍ فقط، بأن أقرأ كفك. أنا لست عرافاً، ولكن أحياناً أرى ما لا يراه الآخرون في هذه الخطوط. ترددت لحظة، لكن نبرته الصادقة ونظراته المهذبة كسرت حاجز الشك. توقفت عن قراءة كتابها ومدت يدها بكفها الناعم نحوه. أخذ مكانه على المقعد وأمسك يدها برفق، وأدارها نحو النور. لمسة عابرة، لكنها كانت كافية ليخفق قلبه بقوة. بدأ يتفحص الخطوط بتركيز مصطنع.
"دعيني أرى... آه... خط الحياة لديكِ واضح وعميق،" بدأ مسترسلاً في وصفه، "هذا ليس مجرد خط طول العمر، بل يدل على تجارب غنية وعواطف متأججة. أنتِ شخصية لا تخشى العيش بجرأة ومثابرة." نظر إلى خط الرأس الذي يمر عبر منتصف الكف. "وهذا خط الفكر... يتجه صعوداً. أنتِ ذكية، حالمة، وتفكرين بأسلوب يختلف عن أقرانك. لكن لاحظي هذه النقطة هنا..." مد إصبعه ليلمس نقطة دقيقة. "هذا يدل على فترة تردد قادمة، أو قرار كبير ستواجهينه قريباً." ثم انتقل إلى خط القلب. وهنا ارتفعت نبرته وأصبح صوته أكثر قرباً، كما لو كان يبوح بسر. "خط القلب... هو الأجمل لديكِ. طويل، يمتد ليلامس تقريباً قاعدة السبابة. هذا يدل على الوفاء المطلق، وعلى أنكِ عندما تحبين، تمنحين قلبك بأكمله. لكنه ينحني قليلاً في المنتصف، مما يعني أنكِ مررتِ بخيبة أمل صغيرة، أو أنكِ تخافين من إعادة فتح قلبكِ." توقفت عن التنفس لحظة، لم يكن خيالاً، بل بدا وكأنه كان يعرف عنها جزءاً من حياتها. "هذا... هذا غريب حقاً!!؟" همست بدون صوت. ابتسم بانتصار داخلي، لقد نجح في اختراق الجليد. عاد إلى تفحص الكف، لكن هذه المرة نظر إلى الخط الذي يقع أسفل الخنصر: خط المصير. "الآن، وهذا هو الأهم،" قال وهو يرفع عينيه ليلتقي بعينيها مباشرة، تاركاً يدها بلطف. "خط المصير لديكِ..." وتوقف لحظة، "لا يبدأ من قاعدة يدكِ أو من جهة عادية. إنه يبدأ من منتصف راحتي... بالضبط هنا" ورفع كفه ليريها "حيث يبدأ خط مصيري أنا." مال إليها قليلاً لترى كف يده بوضوح، وأكمل بهدوء وحسم: "في قراءة الكف، عندما يتقاطع خط المصير من هذه النقطة تحديداً" وهو يشير إلى كفه "فهذا ليس مجرد صدفة. إنه يعني أن الخطوط قد رُسمت معاً من قبل أن نتقابل." توهج وجهها بالخجل، لكنها لم تستطع إخفاء إعجابها. همست والفضول في عينيها "ربما حان الوقت لأؤمن ببعض التنجيم!!"
السحر المدفون
في قاعة فخمة تضج بصخب الأحاديث وهمس الموسيقى الكلاسيكية، جلس إلى طاولة لم يكن يشغلها إلا شخص واحد تعرف عليه بالسلام وبعض كلمات المجاملة المحدودة، لاغير. أخذ يراقب الحضور المتأنق، دون أن يلفت انتباهه شيء، فكل الوجوه عادية والأحاديث مألوفة والضحكات جوفاء والمجاملات كاذبة، أو هذا ما كان يدور في عقله. وجد نفسه وحيدًا، رغم جلوسه إلى ذلك الشخص الذي تعرف عليه للتو في هذا الحفل الكبير الذي أقيم بمناسبة مؤتمر مهني.
الأجواء تحمل إيقاعًا خاصًا، ربما بسبب الأضواء الخافتة أو ربما بسبب همس القدر الذي لم يكن يعيه بعد.
لفت انتباهه امرأة فاتنة رآها تتجه نحو الكرسي الشاغر المجاور له على نفس طاولته. التفتت إليهما وسألت بصوتها الفاتن إذا ما كان يمكنها الجلوس على ذلك الكرسي. أومأ شريكه بالطاولة بنعم، ولكن صاحبنا تبلم للحظة ثم نطق "تفضلي."
شعر قصير مشقر، فستانٌ أسود مشقوق من الجانب الأيمن، مكشوفة الذراعين، وشال حريريٌّ ارتمى على كتفيها ولكنه سها عن أحد الكتفين، كعبٌ عالٍ له طقطقة موسيقية، جربانها أشبه بشبكة صياد خيوطها سوداء التفّت حول ساقيها البضتين، حيّت كليهما بابتسامة ساحرة وهي تأخذ مكانها على الكرسي المجاور له. كانت آية في الجمال، تحمل هالة غامضة من السحر والرقي. لم تكن مجرد جميلة، بل كانت آسرة، كما لو أنها برزت من المجهول، أو ربما سقطت من إحدى النجوم اللامعة.
تبادلا نظرات عابرة، أو بالأحرى لم تكن عابرة. تحوّلت منْ حوار عادي عن الحفل والحدث، إلى سؤال مفاجئ وغير متوقع:
"ما هو برجك؟"
فاجأه السؤال، فهو لا يفقه شيئاً عن الأبراج، شعر بارتباك ودهشة، ورغبة في معرفة المزيد. وتساءل في داخله "ولكن لماذا؟ هل ستحاول كشف جوانب شخصيته؟" أجابها، محاولًا إخفاء دهشته:
عِلْمِي محْدُودٌ سَيّدَتِي أحْتاجُ وضُوحَ التّبْيِينْ وأَظُنُّ بأَنْ ذَكَرَتْ أُمّي أنْ بُرْجِي جَدْيٌ مَرْهُونْ لا أفْقَهُ بالأبْرَاجِ فَهَلْ بُرْجِي منْ نارٍ أمْ طِينْ؟
ابتسمت ابتسامة أكثر عمقًا، وكأنها تكشف عن سر عظيم:"الأمر ليس علمًا بالمعنى الدقيق، بل شغف بالبحث عن الإيقاعات الكونية التي تحكم قدر الإنسان. تقول الأساطير أن هناك لكل برج ’سحرٌ مدفونٌ‘ ينتظر من يفك طلاسمه."
هنا، قفزت كلمات أمه، بل نبوءتها القديمة إلى ذهنه، والتي كانت ترددها عليه دائمًا بمزاح جاد ونغمة شعرية:
"وستأتي يومًا فاتنةٌ لتفكَّ السحْرَ المدفونْ وستَسلبُ عقلكَ يا ولدي فتهيمُ بعشقِ محزونْ"
شعر برجفة غريبة في قلبه، وهمس لنفسه: "أنبوءة أمي ممكنة؟ هل برجي محكوم حقًا بانتظار فاتنة تفك السحر؟ وهل أنا مسحورٌ فعلاً؟"أخذت فاتنتُهُ رشفة من مشروب كان قد قدم لهم، ثم نظرت إليه بعينين ثاقبتين وتابعت:
"قَدَرُ الإنْسانِ تُحدّدهُ أفْلاكُ الكوْنِ الموْزونْ فكَوَاكِبُ تجْرِي مُخْضِعَةً أقْدَارَ النّاسِ فيَجْنونْ في هَذِي الليْلةِ إيقاعٌ ونجُومُ اللَيْلِ كُعُرْجُونْ يُتَوَقّعُ أمْرٌ لنْ يُنْسى في غفْلةِ ليْلٍ مَجْنُونْ سيُلاقِي المرّيخُ الزُّهْرَةَ ذي الليْلةِ وفْقَ التدْوينْ يوْمٌ مشْهودٌ مثْبوتٌ نقْشٌ في سِفْرِ التكْوينْ قدرٌ منْقوْشٌ مَحْفوْظٌ حِرْزٌ في اللّوْحِ المكْنونْ نقْشٌ لا يمْكنُ أنْ يُمْحى أوْ تعْبثَ فيهِ شياطينْ"
نظر إليها مفتونا فكلماتها الساحرة والتي لم تكن مجرد أحاديث عابرة، بل كلمات تدغدغ قلبه المفتون، وتبعث فيه شعورًا بأن حظه المغبون على وشك أن يُنصَف. في تلك اللحظة، لم يعد يهمه إن كان برجه من نار أم طين، فالواضح أن هذه الفاتنة التي تجلس إلى جواره هي قدرُهُ المكتوب. نظر في عينيها مباشرة قائلاً:"فكَلامُكِ هذا قدْ يعْنِي أنّي في اليوْمِ الميْمُونْ إنْ صدْقٌ أقْوالُ الحَظِّ ونُبوءاتُ العرّافينْ فلِقانا هذا مَكْتُوبٌ في لوْحٍ خافٍ مَكْنُونْ منْ قَبْلِ فراعنةِ النّيلِ منْ قبْلِ أباطرةِ الصّينْ بلْ قَبْلَ خليْقةِ آدمَ مِنْ صلْصالٍ سُوّيَ مِنْ طينْ ونُبُوءَةُ أمّي صادِقَةٌ قدْ فُكَّ السِحْرُ المدْفُونْ مكْتُوبٌ أنْ ألْقاكِ وفِي حفْلٍ كالفُلْكِ المَشْحُونْ ففَتاتِي أنْتِ وساحِرَتِي إنّي بِجمالِكِ مفْتُونْ إذْ منْذُ لمَحْتُكِ فَاتِنَتِي أطْلَقْتِ فُؤادِي المَسْجُونْ"
نعمْ أحبكِ.. لكنْ
لُجّة الخِذْلان
ويسألوني من الحسناء
اوْرِبِي البابَ إِنِّي قادِمٌ
هذا الرملُ يعشقكِ
