نقرة زر تنتهي بصرير عجلات
لم ألتفت، شعرت بقشعريرة باردة تجتاح عظامي. أسرعتُ نحو سيارتي وكأنني أهرب من كابوس، أدرتُ المحرك وانطلقتُ بجنون. وصوت صرير عجلات السيارة فوق الإسفلت جعل المارة يلتفتون. وفي المرآة ، رأيتها تخرج من المقهى، تلوح بيدها وهي تحاول اللحاق بي.
فالحكاية التي انتهت بصرير عجلات السيارة بدأت بنقرة رز على شاشة هاتفي.
كانت أميرتي تبدو عبر شاشة هاتفي كأنها قادمة من عصر الأساطير؛ ملامح منحوتة بدقة، وعينان تلمعان ببريق لم أعهده في بشر. تعرفت عليها عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي. كانت ساعاتنا الطويلة خلف الكاميرات تمر كالثواني، نتبادل الضحكات والغزل والوعود، حتى أزف وقت اللقاء المنتظر.
دخلت المقهى حيث تواعدنا وقلبي يسبق خطاي، جالت عيناي في أرجاء المكان، كانت الطاولات تضج بالغرباء.كنت أبحث عن ذلك الوجه الملائكي الذي حُفر في ذاكرتي. جلت ببصري بين الجالسين، تفحصت الوجوه بدقة، لكنني لم أجد أثراً لفاتنتي. شعرت بضيقٍ، وهممت بالخروج ظناً مني أنها قد خلفت موعدها.
أخرجت هاتفي واتصلت بها وبينما أنا عند الباب، سمعت نغمة هاتفٍ يصدر من زاوية خافتة الضوء. التفتُّ بلهفة، فإذ بامرأة لا تشبه 'أيقونتي' بشيء تلوح بذراعيها بحماس مفرط. وبدون أن أدري أقفلت هاتفي وأشحت وجهي و تصنعتُ أنني لم أرها. كانت الملامح غريبة، والقوام لا يمت بصلة لتلك التي أسرتني خلف الشاشة. وأسرعت أخطو خارجا، لكن صوتها اخترق الصمت وهي تنادي اسمي بلهفة. كان الصوت صوتها، الرنة ذاتها التي داعبت مسامعي لشهور.
قلت في نفسي ومرارة الخيبة في حلقي: "أيعقل أنني كنت أغازل هذه المرأة كل تلك الشهور؟ لا هي بالجمال الذي كنت أراه ولا بالقوام الذي أرتني إياه! ما رأيته لتوي – سامحني يا الله- لا يمت إلى الجمال الأنثوي بشيء". لم أكن أعمى، ولم أكن فاقداً للوعي، فكيف بانت لي بتلك الفتنة والرقة على الشاشة؟
وبينما كانت صورتها تتلاشى في المرآة الخلفية للسيارة، صفعتني الحقيقة القاسية: أيعقل إني كنت ضحية عصر "الجمال الملفق". فأجهزة هذه الأيام لا تنقل الواقع والحقيقة، بل تصنعهما؛ فالفلاتر تخفي العيوب، والبرمجيات تنحت القوام، والإضاءة تزيّف الحقائق. لقد أحببتُ "خوارزمية" فاتنة، ولم تكن إنسانة!!
استجابةٌ لامرأةٍ تشتعل
شَتَاتُ الوَعْي والهُويّة
أمّاه

يَا أَيُّهَا الفَانِي اتَّعِظْ
الرقص في العاصفة
ضحككِ قيثارة

