حين توقفنا
في مدينةٍ رماديةٍ لا تعرف الفصول، التقيا. لم يكن اللقاء مقدّرًا، لكنه حدث كما تحدث الأشياء التي لا نُخطط لها: نظرةٌ في مكانٍ مزدحم، صمتٌ، ارتباكٌ، ثم حب. عيناها تشبهان وعدًا قديمًا نسيه الزمن، صوته يشبه دفء الشتاء حين يعتذر. تعاهدا أن لا يندما، أن يكونا جناحي طائرٍ لا يعرف الهبوط، أن يظلّا فوق كل ما يُرهق الأرض من خيبات. لكن الريح تغيّرت. في ليلة باردة لَفَّتْهما ككفنٍ أسود، لم يكن هناك صوت سوى أنين الصمت. صمت بدى كثعبانٍ يلتّف حول آفاقهما، يخنُق ما تبقى من نور سماء قصتهما.
يقفان على حافة الهاوية، انتهى بهما الطريق فجأة. يرتجفُ جسدها مثل شمعة أوشكت على الانطفاء، وعيناه تدوران في حيرةٍ تائهة كالريح، تبحثان عن مرفأٍ لم تجده سفينةُ عشقهما. لم يكن الفراق قرارًا، بل زحفًا بطيئًا، الصمت ثعبانٌ يلتفّ حول الكلمات، يخنقها، ويتركها جثثًا لا تُدفن. بدأت النظرات تذبل، والقلوب تتراجع، والذكريات تُصبح عبئًا لا يُحتمل. يا لها من سخريةٍ! ندمٌ، نعم، ندمٌ على أنهما أحبّا وعانيا، وأنهما عاشا هذا العشق وأنهما تعهدها ألا يموت أبدًا. والآن، نكّسا نبضة الأشواق فوق ضريح روحيهما الميتة. كان طائر الأحلام، الذي ربّياه معًا، يرفرفُ في حيرةٍ فوقهما، لكنهما أخفيا شرود عينيهما، متمنيان أن يخفى لهيبهما المتأجج في العمق. لم يكرها الحب يومًا، ولا كرها أحلامهما. لكن شيئًا ما تمزق في المعطف المدسوسين تحته، شيءٌ أصاب القلعة التي بنياها معًا بالجنون. صرخَةُ حبٍ جريحٍ لم تسمع، عيناها الماطرتان لم تدمع. ظمأ إلى نور خديها كي يحيي زهوره الميتة، لكنّ روحها تئزُّ فيها بردٌ قارس رغم قرب كفيه الدافئتين. في آخر مساءٍ، وعلى مقعد خشبيٍّ كانَ في يومٍ شاهداً على ضحكاتهما. لم يتكلّما، عيناها ترتجفان، صدره حقلٌ من الأشواك. يودّ لو تخرج الكلمات، أراد أن يصرخ: "أحببتكِ كما لم يحبّ أحدٌ من قبل." لكن الكلمات ماتت. يعرفا أن نفسيهما سكنتها الجنّ. أخيرًا، توقفا ولم يكملا آخر دقةٍ مؤلمةٍ في قلب قصتهما، تناظرا. عيونهما العطشى ذابت قبل أن تلتقي. توقّفا. وافترق الطريق. لم يختارا ذلك، لكنّه حدث... حاولا أن يُلَمْلِمَا فتات حُبِّهما المبعثر. ولكنهما، ألفيا نفسيهما تبعثرا معه. في اللحظة الأخيرة، رددّ صوتها المكتوم: "أما كُنّا تمازجْنا؟... أما كُنّا؟... أما كُنّا؟" و ساد الصمت، طريقان متباعدان. ما عادا جناحي طائرٍ واحدٍ. ومنذ ذلك اليوم، كلّما أمطرَت، كانت تمطر ذكرى وأشواقا فوق أضرحة المُنى.
0 comments:
Post a Comment