السحر المدفون
في قاعة فخمة تضج بصخب الأحاديث وهمس الموسيقى الكلاسيكية، جلس إلى طاولة لم يكن يشغلها إلا شخص واحد تعرف عليه بالسلام وبعض كلمات المجاملة المحدودة، لاغير. أخذ يراقب الحضور المتأنق، دون أن يلفت انتباهه شيء، فكل الوجوه عادية والأحاديث مألوفة والضحكات جوفاء والمجاملات كاذبة، أو هذا ما كان يدور في عقله. وجد نفسه وحيدًا، رغم جلوسه إلى ذلك الشخص الذي تعرف عليه للتو في هذا الحفل الكبير الذي أقيم بمناسبة مؤتمر مهني.
الأجواء تحمل إيقاعًا خاصًا، ربما بسبب الأضواء الخافتة أو ربما بسبب همس القدر الذي لم يكن يعيه بعد.
لفت انتباهه امرأة فاتنة رآها تتجه نحو الكرسي الشاغر المجاور له على نفس طاولته. التفتت إليهما وسألت بصوتها الفاتن إذا ما كان يمكنها الجلوس على ذلك الكرسي. أومأ شريكه بالطاولة بنعم، ولكن صاحبنا تبلم للحظة ثم نطق "تفضلي."
شعر قصير مشقر، فستانٌ أسود مشقوق من الجانب الأيمن، مكشوفة الذراعين، وشال حريريٌّ ارتمى على كتفيها ولكنه سها عن أحد الكتفين، كعبٌ عالٍ له طقطقة موسيقية، جربانها أشبه بشبكة صياد خيوطها سوداء التفّت حول ساقيها البضتين، حيّت كليهما بابتسامة ساحرة وهي تأخذ مكانها على الكرسي المجاور له. كانت آية في الجمال، تحمل هالة غامضة من السحر والرقي. لم تكن مجرد جميلة، بل كانت آسرة، كما لو أنها برزت من المجهول، أو ربما سقطت من إحدى النجوم اللامعة.
تبادلا نظرات عابرة، أو بالأحرى لم تكن عابرة. تحوّلت منْ حوار عادي عن الحفل والحدث، إلى سؤال مفاجئ وغير متوقع:
"ما هو برجك؟"
فاجأه السؤال، فهو لا يفقه شيئاً عن الأبراج، شعر بارتباك ودهشة، ورغبة في معرفة المزيد. وتساءل في داخله "ولكن لماذا؟ هل ستحاول كشف جوانب شخصيته؟" أجابها، محاولًا إخفاء دهشته:
عِلْمِي محْدُودٌ سَيّدَتِي أحْتاجُ وضُوحَ التّبْيِينْ وأَظُنُّ بأَنْ ذَكَرَتْ أُمّي أنْ بُرْجِي جَدْيٌ مَرْهُونْ لا أفْقَهُ بالأبْرَاجِ فَهَلْ بُرْجِي منْ نارٍ أمْ طِينْ؟
ابتسمت ابتسامة أكثر عمقًا، وكأنها تكشف عن سر عظيم:"الأمر ليس علمًا بالمعنى الدقيق، بل شغف بالبحث عن الإيقاعات الكونية التي تحكم قدر الإنسان. تقول الأساطير أن هناك لكل برج ’سحرٌ مدفونٌ‘ ينتظر من يفك طلاسمه."
هنا، قفزت كلمات أمه، بل نبوءتها القديمة إلى ذهنه، والتي كانت ترددها عليه دائمًا بمزاح جاد ونغمة شعرية:
"وستأتي يومًا فاتنةٌ لتفكَّ السحْرَ المدفونْ وستَسلبُ عقلكَ يا ولدي فتهيمُ بعشقِ محزونْ"
شعر برجفة غريبة في قلبه، وهمس لنفسه: "أنبوءة أمي ممكنة؟ هل برجي محكوم حقًا بانتظار فاتنة تفك السحر؟ وهل أنا مسحورٌ فعلاً؟"أخذت فاتنتُهُ رشفة من مشروب كان قد قدم لهم، ثم نظرت إليه بعينين ثاقبتين وتابعت:
"قَدَرُ الإنْسانِ تُحدّدهُ أفْلاكُ الكوْنِ الموْزونْ فكَوَاكِبُ تجْرِي مُخْضِعَةً أقْدَارَ النّاسِ فيَجْنونْ في هَذِي الليْلةِ إيقاعٌ ونجُومُ اللَيْلِ كُعُرْجُونْ يُتَوَقّعُ أمْرٌ لنْ يُنْسى في غفْلةِ ليْلٍ مَجْنُونْ سيُلاقِي المرّيخُ الزُّهْرَةَ ذي الليْلةِ وفْقَ التدْوينْ يوْمٌ مشْهودٌ مثْبوتٌ نقْشٌ في سِفْرِ التكْوينْ قدرٌ منْقوْشٌ مَحْفوْظٌ حِرْزٌ في اللّوْحِ المكْنونْ نقْشٌ لا يمْكنُ أنْ يُمْحى أوْ تعْبثَ فيهِ شياطينْ"
نظر إليها مفتونا فكلماتها الساحرة والتي لم تكن مجرد أحاديث عابرة، بل كلمات تدغدغ قلبه المفتون، وتبعث فيه شعورًا بأن حظه المغبون على وشك أن يُنصَف. في تلك اللحظة، لم يعد يهمه إن كان برجه من نار أم طين، فالواضح أن هذه الفاتنة التي تجلس إلى جواره هي قدرُهُ المكتوب. نظر في عينيها مباشرة قائلاً:"فكَلامُكِ هذا قدْ يعْنِي أنّي في اليوْمِ الميْمُونْ إنْ صدْقٌ أقْوالُ الحَظِّ ونُبوءاتُ العرّافينْ فلِقانا هذا مَكْتُوبٌ في لوْحٍ خافٍ مَكْنُونْ منْ قَبْلِ فراعنةِ النّيلِ منْ قبْلِ أباطرةِ الصّينْ بلْ قَبْلَ خليْقةِ آدمَ مِنْ صلْصالٍ سُوّيَ مِنْ طينْ ونُبُوءَةُ أمّي صادِقَةٌ قدْ فُكَّ السِحْرُ المدْفُونْ مكْتُوبٌ أنْ ألْقاكِ وفِي حفْلٍ كالفُلْكِ المَشْحُونْ ففَتاتِي أنْتِ وساحِرَتِي إنّي بِجمالِكِ مفْتُونْ إذْ منْذُ لمَحْتُكِ فَاتِنَتِي أطْلَقْتِ فُؤادِي المَسْجُونْ"
1 comments:
روعه جميل جدا جدا
Post a Comment