وجهتي الأخيرة


وجهتي الأخيرة
أمين سرحان

أجلسُ وحدي على الطاولة التي اعتدْناها قرب واجهة المَقْهى الزجاجية، ترافقني رائِحةُ البُنِّ المُحْمَّص. قطراتُ المطَر تكتبُ على الزجاجِ رسائِلَ لا يقْرَؤُها غيْري، تنْبشُ ذكرياتي.

العالمُ في الخارج يَركُضُ مُسْرِعاً، أما هنا عند طاولتي فالزمنُ مَشْلولٌ، أُراقبُ دوائِرَ البُخارِ المتصاعدِ ببطءٍ شديدٍ من فِنْجاني. أمدُّ يدي أُلامسها، فأراكِ فيها. كنْتِ هُنا تَضْحكينَ فَيُورِقُ المَقْهى، وتَعِزفُ لنا زخاتُ المَطَرِ سيمفونيّةً خاصةً بنا وحدنا. ورغم أنَّ الشَّوارِعَ فِي الخَارِجِ رمادِيَّةٌ وبَارِدَةٌ ، وَالنَّاسُ يَحْتمونَ بِالمظلَّاتِ مِنَ المطرِ، إلّا أنّنا كنّا هُنَا في ملْجئِنَا الصَّغِيرِ في رَبِيعٍ لا ينتَهي. كُنْتِ هُنا أمامي على نفسِ هذهِ الطاولةِ تَتحدَّثين عَنِ الأغاني، عن السفر وعن الأَمَاكِنِ الجميلةِ الساحرةِ البَعِيدَةِ، وكُنْتُ أنْصتُ إليكِ، مُتمنّياً لوْ أنَّ عَقارِبَ السَّاعَةِ تَتوقَّفُ عَنِ الدَّورانِ، وأن تتحدثي وتتحدثي كيْ تبقي مَعي إِلى الأَبَد. وأنْ تبْقى نَبْراتُ صَوْتِكِ الدافئ لي حضْنًا وملجأً. لمْ أكُنْ مهتّما بتحضيرِ أيّ منْ حَقائِبِ السَّفرِ التي كنْتِ تذَكُرْينهَا، فَأَنَا لحظتها أكونُ قَدْ وَصَلْتُ إِلَى وِجْهتي الأَخيرةِ وأنا أَنْظُرُ إِلَيْكِ.

18/8/2026

0 comments:

Post a Comment

الأحدث

كن أحد المتابعين

Followers