اوْرِبِي البابَ إِنِّي قادِمٌ


اوْرِبِي البابَ إِنِّي قادِمٌ
أمين سرحان


هذه القصيدة مستوحاة من قصيدة للشاعر العباسي ربيعة الرّقّي مطلعها "دَسَّت سُعادُ رَسولاً غَيرَ مُتَّهَمٍ ... وَصيفَةً فَأَتَت إِتيانَ مُنكَتِمِ".
أرْسلْتِ في لَيْلَةٍ محْبوكَةِ الظُّلَمِ
رِسالَةً بعْدَ نِصْفِ الليْلِ، "لَمْ تَنَمِ"
والشَّوْقُ يَقْطُرُ مِنْ كُلّ الحُرُوفِ بها
عِشْقاً يفِيضُ بوَجْدٍ غَيْرِ مُنْكَتِمِ
وفِي الرِّسالَةِ سَطْرٌ مِنْكِ مُرْتَعِشٌ
كَأَنَّهُ نَبْضُ قَلْبٍ خائِفٍ وَجِمِ
قُلْتِ انْتَهِزْ فُرْصَةً واحْضُرْ على عَجَلٍ
منْ غَيْرِ رَصْدٍ بِهَذا الوَقْتِ، فَاغْتَنِمِ
فِيهِ العُيُونُ غَفَتْ والنّاسُ نائِمةٌ
واللَّيْلُ يُخْفِي، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالكَرَمِ
هيّا تَعالَ إذا ما شِئتَ مُسْتَتِراً
نَعِيشُ جَوَّاً بنُورِ الشّمْعِ فِي العُتمِ
قُلْتُ: اوْرِبِي البابَ إِنِّي قادِمٌ، فَدَمِي
شوْقٌ، وَقَلْبِيَ بَيْنَ الشَّكِّ وَالحُلُمِ

أتيْتُ بابَكِ لا وَرْدٌ يُرافِقُنِي
إِلَّا اِشْتِياقِي، وَإِلَّا رَجْفَةُ القَدَمِ
في وقْتِها كُنْتِ خَلْفَ البابِ جاهِزَةً
تسْتَقْبِلِينِي بِشَوْقِ الجائِعِ النَّهِمِ
أقْبِلْ تَعالَ، وَلَكِنْ لا تُطِلْ مُكْثاً
واخْرُجْ قُبَيْلَ بُزُوغِ الشّمْسِ فِي كُتُمِ
فَكانَ ما كانَ مِن حُبٍّ وَمِن قُبَلٍ
وَمِنْ حَدِيثٍ كَأَنَّ الرُّوحَ في نَغَمِ
أَسْعَفْتِ قَلْبِي بِحُبٍّ لَسْتُ أُنْكِرُهُ
وَلَمْ يَكُنْ وَقْتَها في الحُبّ مِنْ حُرَمِ
ما كِدْتُ أسْعَدُ بالفِرْدَوْسِ والنِّعَمِ
حتّى أتانِي الصّباحُ المُرُّ بالغُمَمِ
نقْشٌ على كَفِّ أقْدارِي تَفَرُّقُنا
أَنْ رُمْتِ بُعْداً كَطَيْفٍ هارِبٍ نَدِمِ
ما كُنْتُ أُدْرِكُ أَنَّ البُعْدَ ذا قَدَرِي
حَتَّى تَوَارَيْتِ عَنْ عَيْنِي إلى عَدَمِ
يا مَنْ تَرَكْتِ فُؤادِي دُونَ مُؤْنِسِهِ
كيْفَ ارْتَضَيْتِ فِراقِي رَغْمَ ذا القَسَمِ
قالُوا: تَناسَى! فَهَلْ يُنْسَى الَّذي ملَكَ
رُوحِي، وَكانَ لَهُ عِشْقٌ بمِلْئِ فَمِي؟
قالُوا: تَغَيَّرْ! وَهَلْ يُشْفَى الَّذي انْتَكَأَتْ
فِيهِ الجِراحُ، وَما جَفَّتْ مِنَ السَّقَمِ؟
قالُوا: فَجافِي! وَهَلْ يَجْفُو الَّذي سَكَنَتْـ
ـهُ الذِّكْرَياتُ كَنَبْضٍ جِدُّ مُنْتَظِمِ
يا مَنْ كَتَبْتِ على الجُدْرانِ أُغْنِيَةً
عَنّا، فَهَلْ أنْتِ حَقّاً قدْ أبَحْتِ دَمِي؟
أَهْفُو إِلَيْكِ، وَفِي صَدْرِي مَواجِعُهُ
كَأَنَّنِي حامِلٌ لِلأَرْضِ مِنْ ألَمي
وَما نَسِيتُكِ، بَلْ ما زِلْتُ أُذْكركِ
إذْ كُنْتِ لي وَطَنًا في لَحْظَةِ الحُلُمِ
فَإِنْ رَجَعْتِ، فَقَلْبِي لا يَزالُ على
بابِ انْتِظارِكِ، لا يَشْكُو مِنَ السَّأَمِ
وَإِنْ مَضَيْتِ، فَإِنِّي سوفَ أُخْبِرُهُمْ
أَنِّي عَشِقْتُكِ حَتَّى آخِرِ النُّسِمِ

30/10/2025


القصيدة على "بحر البسيط".

5 comments:

Anonymous said...

ببراعة سردية يُحيل شاعرنا خلسة ربيعة الرقي الى ملحمة وجدانية متكاملة

تبدأ من رسالة منتصف الليل المرتعشة التي فجرت ثورة الشوق وتنتهي بضريبة الفراق الابدي
يبرز النص كتجربة درامية تتحول فيها مواربة الباب من دعوة للقاء إلى فخ للذاكرة حيث يصور الشاعر لحظات الوصل كفردوس مؤقت لم يلبث ان بدده الصباح المر لتتحول القصيدة من غزل قصصي حركي الى رثاء فلسفي للغياب
يكمن جمال النص في قلب الموازين فالليل الذي لم يكن كريم في بدايته اصبح وطن في نهايته والقلب الذي تذبذب بين الشك والحلم استقر اخيرا على عتبة الانتظار رغم السقم ليثبت شاعرنا أن الوفاء في أدبه هو الامتداد الحقيقي للحظة العشق حتى وان توارت الحبيبة الى عدم.
Khaled H. HAHEM

Anonymous said...

لله درك من شاعر لولا أن أصدق الشعر أكذبه لأحلوا دمك صديقي تحياتي وتقديري لخيالك الخصب وجمال حرفك الذي لا يعرف حدا للجمال والخيال♥️🌹🌹🤲🤲🤲
Islam Abd El Maksod

Anonymous said...

يامن تركت فؤادي دون مؤنسه
كيف ارتضيت فراقي رغم ذا القسم ؟!

الله الله الله
Azza Al-Alwee

Anonymous said...

يُعيد شاعرنا الجميل احياء الغزل الحذر برؤية عصرية محولا المشهد من مجرد وسيط في نص ربيعة الرقي الى مواجهة مباشرة بين الحبيب واللحظة الفارقة يتسم النص بتكثيف زمني ومكاني بارع حيث يُصور الليل كساتر واقعي ولكنه ليس كريما ويحول الشوق إلى مادة حيوية تجري في العروق (فدمي شوق) ليجسد في النهاية الصراع الازلي للمحب بين رهبة الواقع (الشك)وعذوبة الخيال (الحلم) في لغة رشيقة تجمع بين جزالة التراث وحرارة العاطفة الحاضرة.

تحياتنا لشاعرنا الجميل.
خالد هاشم

Anonymous said...

لقد استحضرتَ من عبق العصر العباسي رقةَ المعنى وجزالة المبنى، وصغتَ من وحي "ربيعة الرقي" نصاً يضج بالهيبة والشوق، فجاءت أبياتك تخبئ خلف ستار الليل لهفة اللقاء وحذر العاشق الفطن، فبارك الله في هذا القلم الذي يطوع اللغة لتكون جسراً بين عراقة الماضي وجمال الحاضر، وأدام الله عليك ذائقة أدبية تفيض برحيق الوجد والإبداع في كل حرف تخطه.
​أحييتَ باللفظِ أصواتاً قدِ اندثرتْ وصُغتَ من وحيِ ماضينا لنا قِيَما
يا من أتيتَ بليلِ الشوقِ مقتنصاً نلتَ البيانَ ونلتَ الفضلَ والكرَما
​حفظك المولى ومنحك هناء القلب ودوام التوفيق.
Akrm Zrkan

Post a Comment

الأحدث

كن أحد المتابعين

Followers