الشّعرُ يَحْتضِر
الشّعرُ يَحْتضِرُ
أمين سرحان
أَمْسَتْ نصُوصٌ عَلى أَسْماعِنا تَرِدُ
مِنْ مُدَّعِينَ بِأَنَّ النَثْرَ يُنْتَشَدُ
ضَاعَتْ قَصائِدُنا في زَحْمَةِ الغَلَطِ
فالجَهْلُ يَحْكُمُهُمْ والزَّيْفُ يُعْتَمَدُ
ويْلٌ لِقَوْمٍ فُنُونُ الغَرْبِ تأْسُرُهُمْ
حتّى لإرْثٍ مِنَ الأجْدادِ هُمْ جَحَدُوا
بَعْضٌ تَخَلّى عَنِ الأوْزانِ يَنْظُمُها
يَخْشَوْنَ ما في بُحُورِ الشِّعْرِ إنْ وَرَدُوا
قالُوا القَوافِي بَدَتْ في النّثْرِ كافِيَةً
فَالرُّوحُ حاضِرَةٌ والوزْنُ مُنْجَرِدُ
نَسْجٌ بلا هيْكَلٍ صَلْبٍ يُؤَطِّرُهُ
كَخَيْمةِ الغِرِّ لا رَبْطٌ ولا وَتَدُ
(الغرُّ: الغافل غير المجرب)
سَجْعاً إذا شِئْتَ لا شِعْراً نُسَمِّيِهِ
لا تَخْلِطوا السَّجْعَ بالأشْعارِ، تُنْتَقَدوا
(السَّجْعُ: الكلام المُقَفَّى غير الموزون)
وَآخَرُونَ لِنَصٍّ بالغُمُوضِ مَلَوا
قَالُوا البَلاغَةُ تَبْقَى حَيْثُ نَعْتَقِدُ
صاغُوا كَلاماً بأَلْفاظٍ بلا نَغَمٍ
حاكُوا نَسِيجاً بِخَيْطٍ ما لهُ شَدَدُ
بالتَوْرِياتِ تَراكِيبٌ مُقَطّعَةٌ
منْثُورَةٌ جُمَلاً أوْ شِبْهَها سَرَدُوا
في صَفْحَةٍ جَزَّؤُوا خَمْساً مِنَ الجُمَلِ
حتّى ولَمْ يبْلُغُوا سَطْراً إذا نُضِدُوا
للرَّمْزِ واللَّوْنِ والتَّكْعِيبِ قدْ لَجَأوا
كَرَسْمِ لَوْحاتِ فَنّانٍ بِها عُقَدُ
قالُوا الحَدَاثَةُ تَجْرِيدٌ وَسَرْيَلَةٌ
كَالرَّسْمِ فِي لَوْحَةٍ في كُنْهِهَا شَرَدُوا
(فن التكعيب والتجريد والسريالية في الرسم)
كلٌّ يُتَرْجِمُها وِفْقاً لِما فَهِمَ
والكُلُّ يَحْتارُ في تأْوِيلِ ما وَجَدُوا
قالُوا وفِي الوزْنِ تَقْيِيدٌ لمُبْدِعِنا
فلْنَتْرُكِ الأمْرَ حُرّاً وِفْقَ ما اجْتَهَدُوا
قلْتُ اكتبوا كيْفما شئْتمْ ولا تَصِفُوا
القوْلَ شِعْراً، بذاكَ النثْرُ يَنْفَرِدُ
يا قَوْمُ ذاكَ كَلامٌ ليْسَ بالشّعْرِ
فالشِّعْرُ إنْ رُمْتُمُ مِعْيَارَهُ تَجِدُوا
الوَزْنُ صَعْبٌ لِمَنْ للسّهْلِ قدْ رَكَنُوا
فنُّ القَصِيدَةِ لا يُتْقِنْهُ مَنْ قَعَدُوا
الشِعْرُ نظْمٌ لَهُ وَزْنٌ وقافِيَةٌ
كيْفَ اجْتَرَأْتُمْ بمَسْخِ الشعْرِ فاتّئِدُوا
يا وَيْلَ شِعْرٍ أَصِيلٍ بَاتَ مُحْتَضَراً
مِن كَثْرَةِ الزَّيْفِ وَالتّحْرِيفِ قدْ وأَدُوا
الشِّعْرُ مِرآةُ إحْساسٍ مُنَظَّمَةٍ
يَسْمُو إذا ما بُحُورُ الشعْرِ تُعْتَمَدُ
17/11/2025
القصيدة على "بحر البسيط".
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
الأحدث
كن أحد المتابعين
2 comments:
أصبتم وأحسنتم هو ذاك
Jamal Jomaa
قصيدة قصيرة، لكنها تفتح سؤالًا نقديًا قديمًا متجددًا: هل تتحدد هوية الشعر بالوزن والقافية، أم بطاقة اللغة والصورة والإيقاع والرؤية؟
جاءت الأبيات بروح الغيرة على الموروث الشعري العربي، وبنبرة احتجاج واضحة على ما يراه الشاعر خلطًا بين الشعر والنثر، ولا سيما حين يصبح الغموض غايةً في ذاته لا أداةً فنية. ومع ذلك، فإن التجديد في ذاته ليس خصمًا للأصالة؛ فالشعر العربي ظل حيًّا لأنه عرف كيف يتطور دون أن يفقد ذاكرته.
ولعل القضية الأعمق ليست أن «الشعر يحتضر»، بل أن الشعر الرديء يتكاثر في كل الأشكال؛ فقد نجد قصيدة موزونة مقفاة لا روح فيها، كما قد نجد نصًا حديثًا يمتلك شعرية عالية وإن اختلف النقاد في تصنيفه.
تحية للشاعر أمين سرحان على إثارة هذه القضية بوضوح وجرأة، وعلى دفاعه عن هوية القصيدة كما يؤمن بها. ويبقى أجمل اختلاف بين الشعراء والنقاد هو الذي يثري الشعر بدل أن يضيّق فضاءه؛ فالأصالة والتجديد يستطيعان أن يتحاورا، ولا يلزم أن يُلغي أحدهما الآخر. 🌿✍
Post a Comment